عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
35
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
ولذلك كان هو الختام لمقام الجلال والإكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . الباب الثاني في عظم شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم عند اللّه تعالى وتنزّله على مجالي أسمائه الحسنى وصفاته العليا إلى العالم الكوني وإيجاد الوجود بوجوده اعلم وفّقك اللّه وإيّانا ولا أخلانا من أنسه ولا أخلاك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم هو واسطة اللّه بينه وبين عباده ، وإلي ذلك أشار صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أنا من اللّه ، والمؤمنون مني » « 1 » . قد شهدته الأنبياء والمرسلون صلوات اللّه عليه وعليهم قبل ظهوره بأنه صاحب كمالاتهم في ترقياتهم ، وعلموا علو شأنه عليهم في عظيم مكاناتهم ، واستمد الجميع به في ذواتهم إلى ذلك الإشارة في إمامته بهم فوق السماوات ؛ فهو إمام الأنبياء ، وقدوة الأولياء صورة ومعنى صلوات اللّه عليه وعليهم . واعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم لما تنزّل من الحضرة الأحديّة على الحضرة الواحديّة ظهر فيها بحقائق الأسماء الحسنى والصفات العليا ؛ فتعشّقت به الحضرة الكماليّة تعشّق الاسم بالمسمّى والصفة بالموصوف ، فكل معنى من معاني تلك الكمالات لا تشير بحقيقتها إلا إليه ، ولا تدل بهويّتها إلا عليه ، فلو تحقق أحد بكمال من تلك الكمالات المشار إليها ؛ كان عطفا عليه لديها .
--> ( 1 ) أورده السادة الصوفية في كتبهم ، كسيدي محمد وفا في الشعائر ( ص 117 ) بتحقيقنا . وجزم بعض الكبار بصحته كشفا وذكره جماعة منهم صاحب « روح البيان » بلفظ : « أنا من نور اللّه ، والمؤمنون من فيض نوري » . قال الأمير عبد القادر الجزائري في مواقفه ما نصه : وإنما خص المؤمنون للتشريف ، وإلا فكل الخلق منه مؤمنهم وكافرهم ، ولهذا كان الكمل يشهدونه في كل شيء على الدوام ، حتى قال المرسي رضي الله عنه : لو أحتجب عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين ، فالمراد بعدم الاحتجاب دوام شهود سريان حقيقته في العالم كله لا شخصه الشريف ، انتهى .